من الذاكرة ...لبيروت ...
"لست ممن يكتبون الشعر ، ولا أدعي شرف امتلاك هذه الموهبة ، لكنني عندما كنت أقلب بعض أوراقي العتيقة التي تعود إلى ما يزيد عن الربع قرن إلى الوراء ، وكنت بصدد إتلاف بعضها ، وخاصة تلك التي قد تشكل مستندات قد تستعمل ضدي في حال وقوعها بيد بعض الجماعات الجاهلة ، بعد أن تبين أن هذه المجموعات الغبية الجديدة تنتهك حرمات بعض المنازل وتفتشها وتستولي على ما يقع بين أيديها ربما من الأوراق والنقود والمصاغ لكنني وتلافياً لما قد يصدر من إساءة بحقي قد يقوم بها بعض الجهلة الجدد المتفلتين من عقالهم في الشوارع وبسبب أن بعض أوراقي هذه تعود إلى مرحلة الشباب ونزواته ، فقد قررت القيام بإتلافها ، وقد وجدت بين تلك الأوراق وريقات صفراء مهلهلة وهي تتضمن خواطر ووجدانيات لا تمت إلى العمل المنبوذ بصلة ، وهي مؤرخة في عام 82 وهي الليلة المشؤومة في تاريخ بيروت وهي العاصمة العربية ،وقد اعجبت بأفكاري القديمة عندما كنت شاباً فقلت بنفسي : لم لا أطبعها ، خاصة أن فيها ما يشبه الذي تتعرض له بيروت اليوم ، والمفارقة أنني قد كتبت هذه الوريقات بعد أن كنت قد قمت بإحراق أوراقي في تلك الليلة خشية وقوعها في يد جماعات متطرفة أخرى، فيما لو وصلت إلى بعلبك في ذلك الحين ، عندما كانت قوافل معروفة تدمر وتحترق وهي منسحبة باتجاه حمص ، أما أبطال النفاق فقد كانوا قد اختفوا قبل ذلك بكثير."
في : 10 /5 /2008
غنيت بيروت
لبيروت تنحني الهامات إجلالاً وتعظيما
وعند أقدامها ترتمي التيجان والبيارق المضمّخة
لبيروت تقدّم الطقوس والترانيم
في أعظم الهياكل
وتوقد المذابح
مضاءة الشموع
وينثرالطيب ويحرق البخور
وعند أبوابها تنحر أقدس الضحايا
ولفديتها تنتقى أجمل الصبايا
******
لبيروت تخر الجموع سجودا
وعلى عتباتها تركع الصفوف الخاشعة
لبيروت التسبيح والتهليل
ولإسم بيروت يرتفع الابتهال والتبجيل
لبيروت الحمد والنعمة والشكر
******
لبيك بيروت
لبيك
إن المجد والعزة والكرامة لك
لبيك
لبيك لامدينة في العروبة والوطنية غيرك
لبيك
******
لعبلة تنبري الفوارس
لعبلة تلمع الرماح البيض
لعيني عبلة تهرق الدماء
لأهداب عبلة تنشطر الأفئدة
لرموش عبلة تصلصل السيوف
تحترق المضارب
وتهمهم الخيول
******
يا من مررت بليل البؤس في بلدي...
يا حادي الإبل ،سلّم لي على بيروت
سلّم على شارع الأحزان والغضب
سلّم على شارعٍ بالأمس دمّره
كيد الأعادي وذلّة قوميَ النجب
*
وإن طاوعتك يمينك خذ لي من أزقتها
حفنة من تراب الأرض، ما يكفي
لطمر محاجر العينين والهدب
*
أحزان عبلة لا حزن يساويها
آلام عبلة لا وجع يضاهيها
أشجان عبلة لا شوق يوازيها
وحب عبلة لا عشق يجاريه
وعبلة بنت كرام القوم والنسب
*
نهود عبلة ما ذاقت مداعبة
ولا خصور عبلة لامسها سوى الثوب
وما تجرأ أشجع الفرسان إذيتها
أو ذاق طيب خدودها أو حسن وجنتها
*
يا من تعرّج في ليل على بلدي
إحمل سلامي إلى مسبيتي ... بيروت
لا تنس أن تحمل ما جنته يداي
لها
جبتي الممزقة وكيس أثمالي
وقبلتين وخاتم الخطوبة والقدّاحة الصدئة
وبطاقتي المزوّرة
وإن طاوعتك يمينك سجل في هوامشها
"أنا عربي"
*
عبيلة الظبياوية اللحظين
عبيلة ذات القد الناعم الرطب
عبيلة أم المبسم المغناج ضحكته
عبيلة ذات الجبين المشرق الطرب
لم يحمها غير فارسها الأسود الولهان
وفارس عبلة حقّره القوم وعيّره
أترابه من كبار الأصل والرتب
*
يا من تعرج في ليل على بلدي
لا تنس أن تهتدي بشعاع النار في داري
لا تنس أن على بوّابتي كتبت
عبارة لا بد قارئها
لا يمسح العار إلاّ حرقة العار
*
عبيلة عن غيرميعاد غاب فارسها
وتكاثر الأنذال عند باب ربعتها
فأدخلوا أحقر الأقوام خيمتها
وتوقفوا ليحتفلوا بذلّتها
*
جاؤوا ببرميل نفط قالوا:
نشرب نخب زيجتها
جاؤوا بشجرة شوك قالوا:
وردة
عربون محبها
جاؤوا بغراب ناعق قالوا:
حمام الدوح يؤنس بعض وحدتها
*
يا عارهم وشنارهم ،يا ذل ما فعلوا
باعوا أختهم ... دمهم
للسفاح
للباغي
للمعتدي والنذل والكرب
*
عبيلة ما رضخت يوماً لمغتصب
ولا أهانت بيوم كبر عزتها
فأغمدت خنجراً في القلب رافضةً
بأن يداس إباء القوم والعرب
أو أن يدمّر قلب الفارس الأسمر
فالفارس الأسمر ما انفك منتظراً
فناء الشر والعود منتصراً
وعودة العرس
عود النور للهدب
*
يا من مررت بليل الذل في بلدي
سلّم على أشبال بيروت وفتيتها
سلّم على أخوة بالقلب نحفظهم
وعلى أعز رفاقٍ دونهم جسدي
وإن وصلت بخيرٍ سلّم لي على هممٍ
منها سينهار ليل الذل والعدم
ليطلع الفجر برّاقاً إلى الأبد
*
يا سامعين الصوت
صلوا لها
بيروت
يا سامعين الصوت
أسيرة بيروتأ
عيوننا ، قبلتنا ، أجسادنا
بيروت
وكل أرض الفقر والجوع
وكل أرض الكدح والعرق
وقطرات الدموع
وكل حقد القهر والتهجير
والخيام العربية السود
تكبلها أغلال بيروت.
*
تبّت يدا أبي هربٍ
تبّت يدا أبي كذبٍ
تبّت يدا أبي نهب
*
تبّت يدا أبي تاجٍ
أبي كرسي
تبّت يدا كل مالك
كل رئس
تبّت يدا أبي مالٍ
تبّت يدا كل دجال غبي
سيصلى ناراً ذات لهب
سيصلى نار جموع الشعب
*
غنيت بيروت
ماغنيت إخوتها
غنيت بيروت
في أحضان ثورتها
غنيت صبرة والملعب البلدي
والبسطتين والأوزاعي
والمتحف...
وبرج البراجنة وشاتيلا
والرملة البيضاء
والحمراء
ماغنيت دمشق ولا صنعاء
ولا عمان أو بغداد أوسيناء
ولا طرابلس
ولا المغرب أو دارها البيضاء.
بعلبك في:16/9/1982
التسميات: في الذاكرة
.jpg)