الأربعاء، 8 أكتوبر 2025

السبت، 28 يونيو 2025

 الحجّي خالد

كان من نتيجة عملية البحث عن الكنز، أن قضى أحد الأشخاص إختناقاً داخل البئر وكاد رفيقه الذي أنزلوه لإنقاذه أن يلحق به لولا أنهم سحبوه بسرعة بعد صراخه مستغيثاً وهو يفقد وعيه ويدخل في غيبوبة، وكان الذي سرّب الدليل السريّ حول موقع الكنز وحجمه هو أحد المعمّمين المتجولين من بلاد الشام، وحادثة البئر هذه أكدت للجماعة الباحثة عن الطمائر بأن ذلك دليل قاطع على وجود الكنز الدفين المرصود بحراسة الأرواح الشريرة وهي التي قامت بخنق الشخص الأول وقد تقضي على أي شخص آخر يحاول الوصول للكنز المطمور في قعر البئر، ومما زاد في قناعة الجماعة في وجود الرصَد هو إنطفاء أية وسيلة للإضاءة مشتعلة حاولوا إنزالها في البئر، و من أجل ذلك فإن الأمر يتطلب القيام بعملية معقدة لطرد تلك الأرواح أو السيطرة عليها وإبطال شرّها، ولا يقوم بهذا العمل غير أصحاب الخبرة المجربين في إخراج الأرواح من الأجساد التي تتلبسها.    

تضاربت الأحاديث المتداولة همساً وعلناً حول حقيقة اللقايا التي وجدها بعض أولئك المصلين من رواد مسجد عرسال القديم وحجم الكنز الذي وجدوه في البئر العتيق الذي كان موجوداً قرب حائط المسجد الخارجي، وهو جُبٌّ لجمع المياه في فصل الأمطار والثلوج لاستخدامها في حاجات رواد الجامع، مثلما كانت عليه حالة السقاية والمياه عند عموم أهالي البلدة قبل إنشاء شبكة للمياه، واستمر وجود تلك الأبار بعد إنشاء تلك الشبكة واستجرار مياه النبع المعروف بـ "عين الشُعب" بضخها بواسطة مضخة يشغلها محرك ديزل  ضخم نحو أعالي "ضهر الجبل" بواسطة قساطل وتجميعها في خزان كبير لتنقلها أنابيب أخرى إلى البلدة وتوزعها على حنفيات في بعض الأحياء، وكان ذلك في أوائل العقد السادس من القرن الماضي، وجاءت تلك الإلتفاتة من السلطات اللبنانية نحو البلدة البعلية المحرومة البائسة، إثر أحداث مأساوية عصفت بالبلاد خلال سنوات ما سُمي بثورة الـ 58 حيث كان للبلدة "عرسال" وأهلها صيت بارز فيها وضحايا كثر.

كانت فوهة البئر مغلقة بقطعة من صفيح الحديد مثبتة بوضع بعض الحجارة فوقها، ولم يكن أي شخص قد فتح البئر منذ وفاة الحجي خالد الذي كان يستخدم مياه ذلك البئر منذ سنوات قبل العثور على بقايا جثته المتحللة داخل الكوخ التابع للجامع، فأصبحت مياهه الضحلة لزجة تفوح منها رائحة كريهة من الغازات المتولدة عن تحلل المواد المختلطة بالمياه الآسنة.

كان الكوخ القديم المبني من الحجر الغشيم هو كناية عن غرفة مسقوفة بجذوع أشجار صلبة تعلوها مَدّة من أغصان أصغر وتغطيها فرشة من الشيح والبلان وفوقها طبقة سميكة من الطين المجبول مع قصب تبن القمح والحصى، وتلك الخلطة كانت هي الشكل التقليدي في سقوف كل البيوت التقليدية العتيقة، مع فوارق بين البيوت الصغيرة مثل هذا الكوخ الذي كان تابعاً للمسجد القديم والبيوت الواسعة الكبيرة،  ففي هذه الأخيرة كان السقف يتألف من قسمين من جذوع الشجر تستندعلى جهتي الجسر وهو كناية عن جذع ضخم يصل قطره إلى ذراع أو أكثر وطوله يزيد عن عشرة  أذرع، وكان يسند الجسر عند وسطه جذع آخر يقف في وسط البيت هو العامود وهو يكون عادة منجور بشكل متقن؛ وفوق كل سقف توجد مدحلة أو محدلة صخرية أسطوانية الشكل لا يقل وزنها عن خمسين رطلاً تحدل بها الأسطح خلال فصل الشتاء والمطر لمنع تسرب المياه في السطوح تلافياً لحصول الدلف، وفي زاوية من زوايا البيت يوجد الموقد وله مدخنة من الطين تخترق السقف وتعلو عنه

عاش في المسكن المذكور خلف المسجد شخص لم نعرف عنه شيئاً غير تسميته: الحجي خالد، هو وحيد منفرد لا أسرة له ولا قربى ولا نسب ولا معارف أو أصدقاء سوى بعض المصلين من رواد المسجد، منعزل عن الناس وكل ما كان معروفاً عنه أنه من ديرة حمص، هو رجل قصير القامة رث الثياب متقشف أمضى حياته زاهداً متنسكاً مجاوراً للمسجد يسد احتياجاته من صدقات وتبرعات المصلين وجيران المسجد ولم يغادر مسكنه أبداً، لا يزور أحداً ولا احد يستطيع زيارته بسبب القطيع الكبير من الهررة والقطط ، وهذه الحيوانات الأليفة التي تشاركه السكن في الكوخ المعتم المطلي بالسواد جراء الموقد الذي يشعل فيه النيران لقضاء حاجاته هو وهررته، هي كما يقال قد التهمته بعد وفاته لسد جوعها بعد نفاذ أية مواد تغتذي بها، فوجدت بقاياه بعد أيام من إختفائه عن الأنظار، وكان هو يرد على من يساله عن سبب عنايته بهذه القطط بترداد حديث نبوي مرويّ يقول" أكرموا الهر إكراماً لأبي هريرة"،

كان جامع عرسال القديم وحيداً وجدرانه مبنية من الحجر الأبيض المقصوب بجدران سميكة تبلغ سماكتها حوالي المتر، وله مئذنة من الحجر أيضاً في داخلها درج لولبي حتى أعلاها، وبه في الحائط القبلي ـ الجنوبي محراب ومنبر عن يمينه، ويقع المسجد في مركز البلدة القديمة ووسطها تحيط به مساكن هي على ما يعتقد أقدم ما بُني من عرسال، ففي أسفل تلة "الشفق" من جهة الشمال والشمال الشرقي كانت توجد كهوف ومغاور وأمامها مساكن بيت حميد الذين تتفق كل الروايات على أنهم أول من استوطن عرسال وعاش فيها.

 


الخميس، 9 يوليو 2020

الكرة الأرضية في إجازة قسرية
تتحفنا الطبيعة بين الفينة والأخرى بكل ما هو جديد، وتصدمنا بما هو طارئ نادر الحدوث، على شكل ظاهرة فريدة خارقة، أو كارثة طبيعية هائلة، وذلك هو ما يجعل منّا نحن سكان هذه الكرة من الكون مذهولين مدهوشين، ومربكين هلعين، أسرى للحيرة ومرمى للشك والظنون؛ وهو كذلك ما ينبهنا من غفلتنا، ويهز سكوننا ويكسر خمولنا وكسلنا، ويكشف استسلامنا لرتابة الحياة اليومية وانقيادنا مع مسرى معطيات الواقع الروتينية، ويعرقل انسياقنا مع بلادة القواعد العادية والمتكررة، وهذا ما يفتح عيوننا وأذهاننا على تحديات ومصاعب لم تكن في دائرة التفكير قبلاً، ولا في مجال التأمل والحسبان، فيحل القلق، وتقع البلبلة  مكان الاستقرار، ويسود الخوف مكان الراحة، والتردد مكان الوثوق؛ فكأنه لا يوجد أمان ولا اطمئنان لما تخبئه لنا الطبيعة والحياة من صروف الأيام ومفاجآت الزمان، وكأنه لا صدق نهائي لما أبدته وتبديه معارفنا ومعطيات وعينا وتوقعات علومنا الماضية والحاضرة، كما لا يمكن الركون التام إلى ما اظهرته لنا هذه الطبيعة  من أسرار قوانينها حتى الآن، وما ضمنته منظومة الثوابت القائمة في المعرفة والفكر، وأيدته قواعد العقل والمنطق. أوليس هذا ما خلفته فينا مستجدات الأشهر الستة الماضية منذ برزت ظاهرة الوباء المستجد كورونا "كوفيد- 19"؟. والذي لم تكتمل فصول اجتياحه الدرامي للعالم بعد؟.
لم أجد ما هو التفسير الممكن للتوافق الصدفي بين عظمة الملوك ورمزية التيجان والصراعات الطاحنة التي دارت عليها عبر التاريخ ، وما سببته من حروب وغزوات وما أثارته من دسائس ومجازر دامية للوصول إليها، ومن أهوال للاحتفاظ بها أو للإستيلاء عليها، غير  الترادف في التسمية مع غازينا الرهيب الجديد المسمى بالفيروس التاجي؟
(corona - coronne) وهل من تفسير لهذا التوافق غير الشكل الخارجي لهذا الضيف الثقيل القاتل؟.
ومما يجدر التنويه به أننا تعاطينا ونتعاطى مع هذا الغازي، هذا الجائح العدواني، التاجي الخطير، بكثير من المهابة والرهبة، بل قل بكثير من الخضوع والانصياع تجنباً لبطشه وفتكه بنا، بما يشبه الركوع أمام جبروت وهيبة الملوك والأباطرة والقياصرة وتيجانها، وإن دلّ ذلك على شيء فإنما يدل على أن الناس مهما علا شأنهم ومهما عظمت مراتبهم وتعاظمت كياناتهم فإن بطش الأقوياء والجبابرة بهم، سواء الجبابرة الغامضين منهم  أوالمشهورين البارزين، هو الرادع الذي يجعل من هؤلاء الناس صالحين أتقياء ملتزمين الانصياع لأوامر أهل السلطات مذلولين أمامهم، وعبيداً صاغرين في مواجهتهم وطائعين للقواعد والقوانين من شرائعهم؛ والمرجّح أن تكون الغريزة الأصل في الحفاظ على الحياة وحب البقاء في مواجهة الموت هي التي تتحكم بردات فعلنا هذه أمام مثل هذه التحديات الرهيبة والكوارث الداهمة.
علمتني خبرتي في الحياة أن مقولة فلان "لا يهاب الموت" هي دعاية خرقاء، وأنه لا يوجد أي كائن حيّ لا يتملكه الخوف من الموت ولايسيّره حب الحياة، ويتساوى في هذا المجال الأبطال والشجعان مع الجبناء الرعاديد، من العظماء في سيرتهم إلى المغمورين في سراديب ومستنقعات الحياة، من أعلى مراتب الحياة المتمثلة بالأحياء المدرِكة والعاقلة إلى أدنى أشكال هذه الحياة والذي تمثل المايكروبات والباكتيريا والفايروسات من الجرائيم والخمائر أبسط أشكالها ويمثل كورونا نموذجاً لها في تكاثره وانتشاره وانتقاله الذاتي الوبائي، فهذا القانون يسيطر ويحكم عالم الأحياء، فإن كل حيّ ينحو إلى حفظ وجوده وإكثار شبيهه من نسله، وهو قانون صارم وقاسي وشامل لا يقف في وجهه عائق ولا تحبسه سدودولا حواجز.
 لذلك نحن عندما نستعيد اليوم ما جرى، ونتأمل في ما حلّ بنا و بالبشرية حولنا، نجد أنفسنا عاجزين عن الجزم  في تحليل النتائج الحاصلة أو تلك المرتقبة ، المترتبة على ظاهرة فيروس كورونا-19؛ غير الإحصاءات لأعداد الملايين من المصابين ومئات الألوف من الضحايا أو المتعافين في عدّاد لم تهدأ حركته بعد، يرافقه السباق المحموم لإنتاج لقاح ناجع له،  كما لا يمكننا الجزم حول طبيعة النتائج التي سببها هذا الوباء، هل كانت رذيلة أم فضيلة أم فضيحة ؟، ضارة أم نافعة ؟ مفيدة أم فاسدة؟ فأين ذهب واختفى ضجيج الحياة ؟ وصخب المدن وتدفق نهر البشرية الهادر؟
 أين ذهبت زحمة الطرق والمطارات والمرافئ البحرية والنهرية؟ أين ضجيج الملاعب والنوادي والملاهي والشواطئ؟ وكيف خفت نبض الحياة على هذه البقعة الفريدة من الكون؟
 لقد ضرب الفايروس التاجي ضربته  فخنق أنفاس الناس وكمّ أفواههم وحطم طموحات مشاريعهم  وشل حيويتهم وأشغالهم، وخلّف آثاراً واضحة و حفر خدوشاً عميقة على جبهة البشرية قد لا تندمل ندوبها في وقت قريب.
فمن الإيجابيات الجلية لجائحة هذا الفيروس المستجد الخطير، وغزوة هذا الكائن الغريب العجيب، أنها أصابت مراكز حساسة وأصلية من ثوابت أفكارنا ومعرفتنا وطاولت حتى يقينيات عقائدنا ومسلمات مقدساتنا، فزلزلتها وعصفت بها، كإعصار حل بسكينة جريانها، من غير أية اعتبارات لموازين القوى العالمية، ولا أي مراعاة للقوى العظمى أو الصغرى، ولا احترام لأي اصطفافات عالمية ومراتب دولية، ومن غير اي احترام لمناطق النفوذ والسيطرة، أممية كانت أم قومية أو سياسية واجتماعية أو عسكرية. فبدت كل القوى سواء، الجبارة منها والهزيلة ، المقدرة أم المهمشة، تقف عاجزة مذهولة، بل مكبلة حائرة أمام عدو خفي يدخل من حيث لا ندري ولا نتوقع،     
 ولم تقتصر أضرار هذا الوباء على الضحايا البشرية بل تعدتها إلى بُنى إجتماعية أخرى فجعلت صورة العالم سوريالية مأساوية، فمن أبرز ما تراجع صيته وشهرته هو موضوع الإرهاب على الرغم من أن كورونا يفترض أن يفتح عيون العالم على خطر إرهاب أخطر وأدهى من المعهود بافتراض أن يقوم طاغية من الحكام الفرديين المسكونين بجنون الإجرام بتصنيع كورونا كسلاح بيولوجي وأن يقوم باستخدامه ضد شعبه أو ضد أعداء مفترضين من شعوب أخرى؛ وهذا ما يرتب على الإنسانية جمعاء وفي مقدمها العالم الحر مسؤوليات جسيمة حيال التغاضي عن بقاء حكام ورؤساء وساسة مهووسين بجنون العظمة، يتحكمون بدول وشعوب مغلوبة على أمرها ومحرومة من حقوقها في العيش وحرية الرأي والتعبير والمعتقد والعيش الكريم.
ومن أبرز القضايا التي طالها الفيروس الخطير هي المعتقدات والثوابت الإيمانية كالقضاء والقدر، والمقامات والكراماتواهل الشفاعات والحراسة، وكل أشكال وألوان السحر والتنجيم وأثر الأرواح المفارقة للوجود المادي روحانية كانت أم شيطانية، أُنسية أم جنية؛ وما ينسب إليها من آثار عجائبية خارقة في شفاء كل عاهة أو مرض، وتبخر الطب المقدس التاريخي قديمه ومستحدثه فثبت بالتجربة بطلانه وتهافته.
أما مسألة التقارب الإجتماعي والتجمعات التي تعتبر مكوناً أصيلاً في العلاقات المتبادلة بين البشر وميزة خاصة للكائنات العاقلة وتشكل أساس العادات والتقاليد والفنون والتراث والقيم والإحتفالات الشعبية  في الواجبات والمناسبات العامة والخاصة كلها تعرضت لانتكاسة وخلخلة عميقة قد تظهر نتائجها تباعاً في المدى غير المنظور.
كما أن الثروات والأموال والرساميل، كبيرها وصغيرها، والعصبيات والأعراق أصيلها ووضيعها، الزعامات والقيادات من ملوك ورؤساء وقادة أحزاب وجمعيات ونقابات ونوادي، كل تلك البنى والهيئات وقفت عاجزة لا حيلة لها ولا قدرة أمام الضيف الخطير الفايروس (كوفيد- 19)
عيسى الحجيري – مختص بشؤون الفلسفة والعلوم الإنسانية.

الجمعة، 19 أكتوبر 2018

العقل المستقيل والقطيعة المعرفية

حكمة العرب الغائبة.
"العقل المستقيل والقطيعة المعرفية".
قراءة نقدية منهجية مع الجابري في الفلسفة العربية.
يتناول كتابي هذا، مجموعة من الأسئلة الإشكالية، في النقد والحضارة والفلسفة، وهي أسئلة واجهت ولا زالت تواجه المهتمين في النظرالفلسفي والعقلي والبحث المعرفي والعلمي، ممن يشتغلون في الثقافة والفكر والتراث، ومن الباحثين في هموم التقدم وفي النهضة العربية الموعودة، أو من العاملين على إيجاد المخارج الممكنة من الوضعية الصعبة والمقلقة التي تواجهنا اليوم.

صدر عن دار الفارابي للطباعة والنشر - بيروت.

للحصول على الكتاب في البقاع يٌطلبمن المكتبات التالية:
الحامعة: كسارة
نادين: حوش الأمراء
عصام: برالياس
شمص: بعلبك
خالد الأحمر: بعلبك
الأستاذ: عرسال
أو الإتصال بالكاتب:عيسى الحجيري على الإيميل: issah51@gmail.com  لأي استفسار أو نقاش أو الحصول على الكتاب أو التوقيع .

الأحد، 24 فبراير 2013


الثلاثاء، 1 نوفمبر 2011

تحديات الفلسفة


                                إن تخلّي الفلسفة عن موقفها النقدي تجاه كل أمور الحياة، بما فيها العلوم،
                               هو تخلٍّ عن الحرية الفرديّة وترك المجال مفتوحاً أمام شتى أصناف الإستبداد.

التسميات: